تحوّلات سياسية جذرية تنتهي بانهيار البُنى التقليدية وتلاشي الطرشانية السياسية

شهدت السويداء خلال الأشهر الأخيرة تحوّلات سياسية واجتماعية عميقة، ترافقت مع انهيار البُنى التقليدية للسلطة المحلية، ومن بينها النفوذ التاريخي لـ (الطرشانية). هذا النفوذ الذي كان يمتد جذوره إلى القرن التاسع عشر بدأ بالتآكل تدريجياً حتى وصل إلى مرحلة يمكن وصفها بانتهاء الطرشانية السياسية اليوم بحسب مراقبون دوليون.

العوامل المباشرة لانهيار الطرشانية السياسية

  • تراجع الدور التاريخي للزعامات التقليدية

    شهدت المنطقة منذ 2023 وما بعدها تفككاً في البنية التقليدية للسلطة، وتراجعاً كبيراً في تأثير الزعامات التاريخية، أمام صعود فصائل محلية جديدة وقوى اجتماعية حديثة تتجاوز الانتماءات العائلية. كما عززت زعامات دينية وسياسية جديدة مثل زعامة الرئيس الروحي الشيخ حكمت الهجري، التي أصبحت تمثل ثقلاً أكبر بكثير من الزعامات التقليدية السابقة.

  • تغيّر البيئة السياسية في السويداء بعد 2025

    اندلاع أحداث ومجازر تموز 2025 وما تبعها من مواجهات بين الدروز والعشائر المدعومة من الأمن العام السوري، ثم التدخل الإسرائيلي، أحدث تصدعاً هائلاً في البنية الاجتماعية والسياسية للجبل. هذه التطورات وضعت الزعامات التقليدية، ومنها الطرشانية، خارج الفعل السياسي المباشر، إذ حلّت مكانها تشكيلات جديدة مثل الحرس الوطني المدعوم من قنوات.

  • التحولات العسكرية وتراجع القوة المسلحة التقليدية

    كانت دمشق أحد أهم أعمدة نفوذ الطرشانية، لكن الفصائل الجديدة أصبحت مهيمنة على الأرض. وتدخلات قوى إقليمية (إسرائيل) أعادت رسم ميزان القوة. وانعدام وجود كيان منظم يمثل الطرشانية عسكرياً جعل نفوذها يتلاشى تماماً.

  • تفكك البنية الاجتماعية نتيجة الحصار والانهيار الخدمي

    الحصار الخانق في السويداء في منتصف 2025، والانهيار الاقتصادي والإنساني اللاحق أديا إلى تفريغ السلطة المحلية بالكامل ودفع السكان نحو قوى جديدة توفر الأمن والخدمات الميدانية، بعيداً عن الزعامات التاريخية.

نتائج انهيار الطرشانية السياسية

  • انتهاء نفوذ الطرشانية كقوة حاكمة حيث لم تعد قادرة على لعب دور سياسي أو مركزي في السويداء، رغم رمزيتها التاريخية.

  • تحوّل الجبل من سلطة عائلية إلى سلطة فصائلية – دينية – أهلية وذلك مع غياب المرجعيات التقليدية، باتت مؤسسات مثل “اللجنة القانونية العليا”، و”الحرس الوطني”، والفاعلون الدينيون هم الأطراف الرئيسية في إدارة النزاع.

  • انتقال السلطة من العائلات التاريخية نحو الفاعلين الميدانيين حيث أصبحت القوة على الأرض هي معيار النفوذ، وليس الانتماء العائلي. هذه النقلة التاريخية أنهت قروناً من الحكم العائلي التقليدي في الجبل.

مستقبل السويداء بعد نهاية الطرشانية السياسية

بعد إعادة تسمية الجبل الى جبل باشان من المتوقّع أن تستمرّ حالة التشظّي السياسي، ولا سيّما بعد فقدان دمشق السيطرة على الجبل. إن نهاية الطرشانية السياسية في السويداء ليست حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات تاريخية منذ عقود، تسارعت عقب أحداث 2025 التي غيّرت المشهد السياسي والاجتماعي في الجبل.
اليوم تدخل السويداء مرحلة جديدة تخرج فيها الزعامات التقليدية من المشهد مثل باشوية الثعلة والمجدل، لتحل محلها قوى جديدة تشكل مستقبل الجبل، وسط صراع داخلي وإقليمي مفتوح. لكنّ خروج الطرشانية السياسية من المشهد لا يلغي، برأي مراقبين، إمكانية أن تلعب دار عَرَى دوراً اقتصادياً واجتماعياً محدوداً، ولا سيّما عبر تحويل بوابة عَرَى إلى ممرٍّ آمن للمساعدات الإنسانية القادمة إلى الجبل.

 

scroll to top