باشان ... ولادة أول مشروع درزي مستقل في المشرق
بقلم: المحامي نورس الأشقر
لم يعد ممكناً اليوم أن نستمر في خداع أنفسنا.
ما يجري في السويداء ليس أزمة أمنية عابرة، ولا مجرد توتر محلي يمكن احتواؤه بوساطة أو تهدئة.
بل هو لحظة تاريخية نادرة… لحظة ولادة مشروع سياسي جديد، مشروع لم يجرؤ الدروز في المشرق على صياغته بهذه الصراحة منذ قرون.
إنه مشروع باشان.
نهاية زمن التقية السياسية
على مدى عقود طويلة، عاش الدروز داخل معادلة قاسية:
البقاء مقابل الصمت
النجاة مقابل التواري
الحماية مقابل التقية
كان مطلوباً من الدروز دائماً أن يقدموا أنفسهم كجزء “غير مزعج” في محيط عدائي أكبر:
أن يبالغوا في إثبات انتمائهم، أن يخفوا اختلافهم، وأن يتقنوا فن المناورة كي لا يتحولوا إلى هدف مشروع.
لكن ما حدث في سوريا، وما يحدث في الجنوب تحديداً، أثبت حقيقة واحدة:
أن التقية لم تعد تحمي أحداً.
فعندما يصبح التكفير سياسة،
ويصبح السلاح هو القانون،
وتنهار الدولة وتغيب الضمانات…
لا يعود الاختباء خياراً، بل يصبح انتحاراً مؤجلاً
مشروعان يتنازعان الدروز… وباشان هي الجائزة
اليوم يتنافس مشروعان متناقضان على الدروز في سوريا:
المشروع الأول: مشروع الاندماج الخائف
يمثله وليد جنبلاط ومدرسته السياسية، ويقول للدروز:
عودوا إلى المظلّة العربية الإسلامية
لا تخرجوا عن النص
لا ترفعوا سقفكم
لا تجرّبوا الاستقلال… لأن المحيط لن يرحمكم
المشروع الثاني: مشروع الخروج من الخوف
يمثله دروز إسرائيل، ويقول:
لا تعيشوا كأقلية مذعورة
امتلكوا أدوات قوتكم
لا تحتاجون إلى تقية ولا إلى اعتذار دائم عن اختلافكم
لكن السؤال الحقيقي ليس هنا.
السؤال الحقيقي هو: لماذا كل هذا التنافس على باشان تحديداً؟
لأن السويداء ليست تفصيلاً:
هي الكتلة الدرزية الأكبر
وهي العمق التاريخي والاجتماعي
وهي القلب الذي يحدد اتجاه الدروز جميعاً
فمن يربح باشان… يربح تعريف الدروز لأنفسهم.
باشان لا يريد أن يكون تابعاً لأحد
وهنا تكمن الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها:
باشان ليس مشروع جنبلاط
باشان ليس مشروع إسرائيل
باشان ليس جائزة يتقاسمها الآخرون
باشان اليوم يبحث عن خياره ومشروعه: مشروع استقلال القرار
ليس استقلالاً رومانسياً ولا وهماً قومياً،
بل استقلال واقعي يولد من رحم الضرورة.
مشروع يقول ببساطة:
نحن لا نريد أن نموت من أجل شعارات لا تحمينا
ولا نريد أن نعيش كأداة في صراع الآخرين
نريد أن نكون نحن
ولادة أول مشروع درزي مستقل في المشرق
ما يحدث اليوم في السويداء هو بداية تحوّل جذري:
لأول مرة، يبدأ الدروز في المشرق بالتفكير بأنهم ليسوا مجرد “أقلية تبحث عن حماية”،
بل مجتمع سياسي له حق تقرير المصير، وحق بناء نموذج خاص به.
إذن، مشروع باشان هو مشروع:
إدارة ذاتية حقيقية
حماية محلية مستقلة
قرار سياسي غير مرتهن
علاقة متوازنة مع الجميع دون تبعية لأحد
إنه مشروع الكرامة الواقعية:
لا انتحار…
ولا استسلام…
ولا تقية…
ولا ارتهان…
لماذا يخافون من باشان؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الشرق ليس حرباً جديدة،
بل أن تخرج جماعة صغيرة من موقع الضحية إلى موقع الذات السياسية.
عندما يقول باشان: “نحن مشروع مستقل”
فهو يهزّ كل المعادلات القديمة:
معادلة الأقليات الخائفة
معادلة العروبة القسرية
معادلة التكفير السياسي
معادلة الوصاية اللبنانية (جنبلاط)
معادلة الاستغلال الإقليمي
ولهذا يهاجمون الفكرة قبل أن تولد كاملة.
باشان ليست خياراً… بل ضرورة
في زمن انهيار الدول،
وفي زمن صعود الإرهاب بربطة عنق،
وفي زمن انكشاف الجنوب السوري…
لم يعد مشروع باشان ترفاً فكرياً،
بل ضرورة وجود.
الصفحة الرئيسية
scroll to top