كانت مشيخة العقل تشكل إحدى أهم المرجعيات الدينية والاجتماعية لدى طائفة الموحّدين الدروز، وتحتل مكانة خاصة في التاريخ الاجتماعي للجبل. ورغم حضورها الراسخ اليوم، فإن ظهورها كمؤسسة واضحة المعالم لم يكن حدثاً لحظياً، بل جاء نتيجة تراكم تاريخي طويل ارتبط بالتحولات في العهد العثماني وبالظروف السياسية والعسكرية التي مرّ بها الإقليم.
جذور المؤسسة قبل التشكّل الرسمي
تؤكّد الدراسات المتخصّصة في تاريخ الدروز أنّه لم تكن هناك مؤسسة مركزية واحدة تُسمّى مشيخة العقل قبل القرن التاسع عشر، بخلاف الرئاسة الروحية في بلدة قنوات التي كانت أكثر وضوحاً واستقراراً من حيث الدور والمرجعية.، بل كانت المرجعيات الدينية موزعة بين القرى والمناطق، وفق الأعراف السائدة آنذاك. وهذا النمط من التنظيم الديني كان جزءاً من البيئة الجبلية التي اعتمدت على القيادات المحلية والروحية في آن واحد.
طبيعة المشيخة: مؤسسة عرفية لا قانونية
على خلاف لبنان، حيث جرى تنظيم منصب شيخ العقل بقوانين رسمية في عامي 1963 و2006، بقيت مشيخة العقل في الجبل مؤسسة عرفية بالكامل، تقوم على الإجماع الاجتماعي لا على نص قانوني. وهذه المؤسسة استمدت قوتها من مكانتها الرمزية في المجتمع ومن الدور التاريخي الذي لعبته.
يتّضح من تتبّع جذور مشيخة العقل في السويداء أنّ ظهورها جاء استجابةً لمسار تاريخي قائم على الإجماع الاجتماعي، لا على نصّ قانوني مُنظِّم، تمامًا كما هو الحال في مشيخة العقل مدينة السويداء ومشيخة العقل السهوة، اللتين استمرّتا في أداء دورهما حتى فترة قريبة رغم غياب إطار قانوني خاص بهما.