السويداء وفصام "تجار الوطنية": حين تصبح الخيانة وجهة نظر!

بقلم: ملك الحسين
في سوق المزايدات السياسية التي تعج بها ساحتنا اليوم، يبدو أن “صكوك الوطنية” تُمنح وتُسحب بناءً على أهواءٍ كيدية، لا على مبادئ ثابتة… واليوم، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ سريالي يجسد قمة الفصام السياسي؛ مشهدٌ يضع النقاط على الحروف ويكشف زيف الذين اتخذوا من “تخوين السويداء” مهنةً لهم.
على مدارِ سبعة أشهر لم تتوقف ألسنة التخوين عن قذف جبل الباشان وأهله بشتى التهم، لمجرد أن صوتاً خرج يشكر أو يثمن موقفاً حال دون إبادة حتمية كانت مقررة لطائفة بأكملها… حين كانت السويداء تواجه خطر “الذبح” الوجودي، وتُركت وحيدة في مواجهة تنين الإرهاب والسيناريوهات السوداء، اعتُبِر أي لجوء لخيارات الضرورة “خيانةً عظمى” و”خروجاً عن الصف”… صُبّت جام الغضب على حجار البازلت لأنها رفضت الموت بصمت، واتُّهمت السويداء في انتماءاتها لأنها فضلت البقاء على الفناء.
ولكن، يا للسخرية!
بالأمس فقط، رأينا “جوقة المزايدين” أنفسهم، يبثون فيديوهات النصر الرقمية، احتفاءً بقصف إسرائيلي استهدف العمق الإيراني وقتل قادة عسكريين… فجأة، تحولت الطائرات التي كانت “أداة للمؤامرة” في خطابهم ضد السويداء، إلى “أداة للعدالة” حين قصفت خصومهم… وفجأة، صار “الشكر والامتنان” لنفس الجهة أمراً مستساغاً، بل ومطلباً شعبياً، طالما أنه يشفي غليلهم السياسي.
هذا التناقض الصارخ ليس مجرد “اختلاف في وجهات النظر”، بل هو انهيار أخلاقي كامل لمنظومة التخوين… كيف يستقيم في عقلكم أن يكون “شكر الإنقاذ من الإبادة” خيانة، بينما “شكر تصفية الخصوم” وطنيةً؟ وكيف تمنحون أنفسكم حق الابتهاج بضربات “العدو” حسب وصفكم حين تخدم مصالحكم، وتصادرون على غيركم حق الصراخ من ألم التهميش أو البحث عن طوق نجاة في لحظة ذبح؟
إن الحقيقة المُرّة التي يجب أن تبتلعها هذه الأصوات هي:
لا يحق لمن يصفق اليوم لضربات إسرائيل ضد إيران أن يفتح فمه بكلمة “خيانة” في وجه السويداء بعد الآن… لقد سقطت ورقة التوت التي كنتم تسترون بها عجزكم عن فهم خصوصية الجبل ومعاناته. السويداء التي وقفت في وجه الاستعمار قديماً، وفي وجه الإبادة حديثاً، لم تكن يوماً بحاجة لشهادة حسن سيرة وسلوك من “وطنيين” غبّ الطلب، يغيرون بوصلتهم مع كل غارة جوية.
من اليوم، كفوا ألسنتكم عن الجبل، فالمعايير المزدوجة لا تصنع وطناً، والوطنية التي تُفصّل على مقاس المصالح الشخصية هي الخيانة الحقيقية… السويداء باقية بسمرار حجارها وشموخ أهلها، أما ميزانكم المائل، فقد رماه التاريخ في سلة المهملات.

scroll to top