غرفة الأخبار: 25/03/2026
شكّل الخطاب الأخير للشيخ حكمت سلمان الهجري، الرئيس الروحي للموحدين الدروز في جبل باشان، انعطافة لافتة في مسار الخطاب الديني–السياسي للجماعة، ليس فقط بسبب حدّة مضمونه، بل لأنّه خرج من دائرة الرمزية التقليدية إلى إعلان تموضع سياسي وإقليمي واضح، في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ المنطقة.
أولًا: السياق العام للخطاب
يأتي الخطاب في ظل تصاعد التوترات الأمنية، وتحوّلات إقليمية متسارعة، وانسداد سياسي داخلي مزمن، بالتوازي مع شعور متنامٍ لدى المجتمعات المحلية الدرزية بالتهميش والتهديد الوجودي. في هذا السياق، يتحوّل الصوت الديني من عامل ضبط اجتماعي إلى فاعل سياسي يعبّر عن مخاوف جماعية للدروز ويسعى إلى إعادة تعريف الخيارات الاستراتيجية.
ثانيًا: العنوان السياسي الأبرز – إعلان الاصطفاف
أبرز ما في الخطاب هو الإعلان الصريح لدعم التوجّه الاستراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل، وتسميتهما كحلفاء مباشرين، مع تحميل إيران مسؤولية مركزية عن “خراب الشرق الأوسط”.
هذا الطرح يمثّل خروجًا عن لغة التوازن أو الغموض، وينقل خطابه الديني إلى موقع الاصطفاف الإقليمي الواضح، في لحظة يندر فيها هذا النوع من التصريحات العلنية من شخصيات دينية.
ثالثًا: إعادة تعريف العدو
الخطاب يعيد رسم خريطة الخصوم عبر دمج جهات متعددة في خانة واحدة:
- النظام الإيراني كمصدر أيديولوجي وسياسي.
- الجماعات المصنّفة كإرهابية.
- الحكومة القائمة في دمشق، التي تُحمَّل مسؤولية مباشرة عن أحداث العنف في السويداء.
هذا الدمج يهدف إلى تقديم سردية موحّدة مفادها أن التهديد واحد مهما تغيّرت الواجهات، وأن المعركة ذات طابع وجودي لا سياسي مرحلي فقط.
رابعًا: استثمار الذاكرة الجماعية
يعتمد الخطاب بشكل واضح على استدعاء أحداث دامية مفصلية (تموز 2018، تموز 2025) بوصفها محطات تأسيسية في الوعي الجمعي الدرزي.
وظيفيًا، لا تُذكر هذه الأحداث كتوثيق تاريخي فحسب، بل كأداة تبرير للمواقف السياسية الراهنة، وإضفاء مشروعية أخلاقية على أي خيارات مستقبلية، بما فيها الانفصال.
خامسًا: من خطاب الحقوق إلى خطاب المصير
ينتقل النص تدريجيًا من لغة المطالبة بالحماية والعدالة، إلى لغة حق تقرير المصير وفق المواثيق الدولية. ورغم أن المصطلح يُطرح بصيغة قانونية، إلا أن ربطه بدعم “حلفاء أقوياء” وبناء “مستقبل مستقل” يمنحه أبعادًا سياسية عملية تتجاوز الإطار الحقوقي النظري.
هذا الانتقال يعكس تحوّلًا من خطاب المظلومية إلى خطاب الفعل، أو على الأقل التلويح به.
سادسًا: المقارنة مع إسرائيل – توحيد السردية
يعمد الخطاب إلى وضع معاناة المدنيين الدروز في جبل باشان ومعاناة المدنيين في إسرائيل ضمن سياق واحد، تحت فكرة “العدو المشترك”.
سياسيًا، تهدف هذه المقارنة إلى:
- نزع العزلة الأخلاقية عن التحالف مع إسرائيل.
- تقديم الصراع بوصفه صراع قيم وحياة، لا صراع حدود أو سيادة.
سابعًا: إدارة الحشد دون الدعوة للتصعيد
رغم النبرة الصارمة، يتجنّب الخطاب الدعوة الصريحة إلى عمل عسكري أو انتفاضة مفتوحة، ويؤكد على الحذر واليقظة وعدم تكرار “غفلة الماضي”.
هذا التوازن يشير إلى محاولة إدارة التعبئة دون الانفجار، والحفاظ على السيطرة المركزية على ردود الفعل الشعبية.
خاتمة
يمكن توصيف خطاب سماحة الشيخ حكمت الهجري بأنه بيان سياسي بمرجعية دينية، يعكس تحوّلًا من موقع الدفاع الأخلاقي إلى محاولة إعادة التموضع ضمن صراع إقليمي مفتوح.
هو خطاب يراهن على الشرعية التاريخية والمعاناة الجمعية لتأسيس خيارات كبرى.
