الدروز خارج الشرق الأوسط: حضورٌ متنامٍ يواجه اختبارات الهوية
يشهد الوجود الدرزي خارج الشرق الأوسط توسعًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، مدفوعًا بعوامل سياسية واقتصادية وأمنية في دول المنشأ، وبتنامي شبكات الهجرة والشتات. وبينما ساهمت الهجرة في تشكيل حضور جديد ومؤثر للجاليات الدرزية حول العالم، فإنها حملت معها تحديات مرتبطة بالهوية والديناميات الثقافية، وطرق نقل التراث إلى الأجيال اللاحقة.
هذا التقرير يستعرض ملامح الوجود الدرزي في المهجر، والتحديات التي تواجه هذه المجتمعات في بناء هوية متوازنة بين إرثها التاريخي ومتطلبات الاندماج في بيئات جديدة.
انتشار الجاليات الدرزية وتنامي الدراسات حولها
شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا أكاديميًا متزايدًا بدراسة الدروز في الشتات، بما يعكس اتساع حضورهم العالمي وتنوع تجاربهم. وقد عُقد في 2025 مؤتمر دولي متعدد التخصصات بعنوان “الدروز في المشرق والمهجر – خطابات التقليد والحداثة” في جامعة كانساس الأمريكية، بمشاركة باحثين من 14 دولة، وحضور يزيد على 500 متابع حول العالم.
تضمّن المؤتمر جلسات ركزت على تشكّل الهوية الدرزية، التجارب الثقافية، والتحديات السياسية في بلدان الاستقرار، إضافة إلى جلسة كاملة بعنوان “الدياسبورا الدرزية الهوية، الهجرة، والارتباطات العابرة للحدود”، وهو ما يعكس المكانة المتنامية للشتات الدرزي في النقاش الأكاديمي العالمي.
دوافع الهجرة وتشكّل الشتات
الهجرة الدرزية إلى خارج الشرق الأوسط ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى القرن الماضي، لكنها تعاظمت حديثًا بفعل:
الاضطرابات السياسية والاقتصادية في سوريا ولبنان، ما دفع العديد من الشباب إلى البحث عن فرص في أوروبا والأمريكتين وأستراليا.
التعليم والبحث العلمي، حيث يتوجه عدد متزايد من الطلاب الدروز إلى الجامعات الغربية، الأمر الذي يعزّز قابلية الاستقرار الطويل في الخارج.
شبكات العائلة والروابط المجتمعية التي تسهّل انتقال موجات جديدة من المهاجرين.
ورغم غياب بيانات دقيقة حديثة حول أعداد الدروز عالميًا، تشير المعطيات العامة إلى توسع لافت في بلاد مثل الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية وأوروبا.
الهوية بين الأجيال إرثٌ يُعاد تشكيله
تواجه الجاليات الدرزية في الخارج مجموعة من التحديات التي تمس صميم هويتها:
نقل الموروث الديني والثقافي
الهوية الدينية عند الدروز تقوم على عناصر سرية وشديدة الخصوصية، ما يجعل نقلها إلى الأجيال الشابة في البيئات الغربية تحديًا يتطلب جهودًا تربوية منظمة. العديد من المؤسسات الثقافية في المهجر باتت تلعب دورًا مهمًا في:
تعليم اللغة العربية
تعزيز مفاهيم الانتماء
تنظيم نشاطات اجتماعية تربط الشباب بتراثهم
وقد أشار المشاركون في مؤتمر جامعة كانساس إلى أهمية تعزيز “الروابط العابرة للحدود” كعامل حيوي في تثبيت الهوية الدرزية عالميًا.
الاندماج مقابل الخصوصية
يعاني الكثير من الشباب الدروز في الخارج من إشكالية الازدواج بين قيم المجتمعات المضيفة وبين التراث الاجتماعي والديني للجماعة، خصوصًا فيما يتعلق بعادات الزواج، الانخراط الاجتماعي، ودور المؤسسات الدينية.
المرأة الدرزية في المهجر
مع الهجرة، برزت أدوار جديدة للمرأة الدرزية، وازدادت مشاركتها في الحياة العامة، لكن هذا التغيّر يرافقه نقاش مستمر حول حدود التوفيق بين التقاليد ومتطلبات المساواة في المجتمعات الجديدة.
المشاركة السياسية وبناء النفوذ
في العديد من دول الاغتراب، نجح أفراد من الجالية الدرزية في تحقيق حضور بارز في مجالات:
السياسة المحلية
الأعمال
التعليم العالي
الطب والبحث العلمي
الجاليات الدرزية المنظمة خصوصًا في الأمريكيتين تسعى اليوم إلى بناء تأثير سياسي يضمن تمثيل مصالحها ويحافظ على ارتباطها بقضايا الشرق الأوسط.
خامسًا: نحو رؤية مستقبلية للوجود الدرزي خارج المنطقة
مع استمرار الهجرة واستقرار أجيال جديدة في الغرب، يتجه الوجود الدرزي نحو نمط جديد من الهوية:
هوية مزدوجة تجمع بين الانتماء الطائفي والإرث الاجتماعي، وبين المواطنة الحديثة في الدول المضيفة.
روابط عابرة للحدود تعزز التواصل بين الدروز عالميًا، كما ظهر جليًا في المؤتمرات الأكاديمية والفعاليات الدولية.
تحولات ثقافية ستحدد مستقبل الجماعة، خصوصًا فيما يتعلق بتعليم اللغة، الممارسات الاجتماعية، والصلة بالمؤسسات الدينية التقليدية.
الدروز خارج الشرق الأوسط يشكلون اليوم شتاتًا عالميًا آخذًا في النمو، يتمتع بفرص كبيرة للتأثير الثقافي والعلمي والسياسي، لكنه يواجه أيضًا اختبارات حقيقية تتعلق بالهوية والاندماج والحفاظ على التراث. وبينما تزداد الدراسات الأكاديمية اهتمامًا بهذه الظاهرة، يبقى مستقبل الدروز في المهجر مرهونًا بقدرة الجاليات على تحقيق توازن بين جذورها العميقة وتطلعاتها في المجتمعات الجديدة.