أثر التحولات السياسية على المجتمع الدرزي عبر الزمن

يُعدّ المجتمع الدرزي أحد أكثر المكوّنات الدينية‑الاجتماعية تماسكًا في المشرق، إذ تميّز عبر التاريخ بقدرته على التكيف مع التحولات السياسية الكبرى مع الحفاظ على هوية خاصة ونسق اجتماعي منغلق إلى حدّ كبير. تمتد جذور الدروز إلى القرن الحادي عشر خلال الحقبة الفاطمية، وقد حافظوا منذ ذلك الوقت على بنية اجتماعية صلبة وخصوصية دينية وفكرية انعكست على مواقعهم السياسية عبر العصور. 

 

الجذور التاريخية وتشكّل الهوية السياسية 

نشأت الدعوة الدرزية في مصر خلال حكم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996–1021م)، قبل أن تنتقل إلى جبال سوريا ولبنان حيث وجدت بيئة مناسبة للانغلاق والحماية الذاتية نتيجة طبيعة تلك المناطق الجبلية. وقد ساعد هذا الموقع الجغرافي على الحفاظ على استقلالية نسبية عن السلطات المركزية المتعاقبة.  

اعتمد المجتمع الدرزي تاريخيًا على منظومة تقليدية تؤكد على: 

  • السلطة الروحية لرجال الدين (شيوخ العقل). 

  • تماسك العائلات والروابط العشائرية. 

  • الانغلاق المذهبي ومنع دخول أو خروج الأفراد من الطائفة.  

هذه الأسس القيمية والاجتماعية شكّلت لاحقًا قاعدة النفوذ السياسي للدروز في لبنان وسوريا، وساهمت في الحفاظ على خصوصيتهم رغم تغير الأنظمة السياسية في المنطقة. 

 

التحولات السياسية الكبرى وتأثيرها على المجتمع الدرزي 

  1. الحقبة العثمانية وبواكير الحركات القومية

خلال الحكم العثماني، بقي الدروز في مناطق جبلية لعبت دورًا في منحهم استقلالًا ذاتيًا نسبيًا، لكن مع بدايات القرن العشرين ومع صعود القومية العربية، أصبح للدروز دور محوري في تشكيل الهوية الوطنية الناشئة. 

  1. ما بعد الاستقلال وصراعات النفوذ

بعد استقلال سوريا عام 1946، واجه الدروز تحديات سياسية مع الحكومات المركزية، خصوصًا عندما حاولت السلطات تقليص نفوذهم المحلي. وقد أدى ذلك إلى مواجهات متقطعة، نتيجة تمسك الدروز بحقوقهم الذاتية وهويتهم المستقلة داخل الدولة السورية الناشئة. 

  1. مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية وصعود الزعامة الدرزية

كان المجتمع الدرزي في لبنان فاعلًا رئيسيًا خلال الحرب الأهلية (1975–1990) بقيادة كمال جنبلاط، ثم وليد جنبلاط لاحقًا. هذا الدور السياسي عزّز موقع الدروز في لبنان، لكنه في الوقت نفسه رسّخ الانقسام الطائفي وكرّس اعتماد الطائفة على التحالفات المتغيرة.  

  1. الدروز في إسرائيل: حالة سياسية مختلفة

في إسرائيل، اتخذ الدروز مسارًا سياسيًا مغايرًا، إذ يشاركون في الخدمة العسكرية، ويُعدّون أقلية عربية ذات موقع فريد داخل الدولة. هذا التوجه السياسي المختلف أثّر على وحدة الهوية الدرزية العابرة للحدود، لكنه لم يمنع استمرار الروابط الدينية والاجتماعية. 

 التحولات السياسية في سوريا في القرن الحادي والعشرين 

  1. مرحلة ما بعد 2011

مع اندلاع الأزمة السورية، تبنى الدروز في السويداء سياسة “الحياد المسلح”، فابتعدوا عن الانخراط المباشر في القتال، وركزوا على حماية مناطقهم عبر مجموعات محلية مثل رجال الكرامة. 
كما شهدت العلاقة مع السلطات المركزية توترًا متزايدًا، خاصة بسبب سياسة التجنيد الإجباري والخلافات حول الأمن المحلي.  

  1. الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية

تزايدت محاولات القوى الإقليمية للتأثير على الدروز، سواء من قبل إسرائيل أو أطراف أخرى، خصوصًا مع ضعف الدولة السورية بعد 2022. وأدى هذا إلى انقسام داخلي بين تيارات تطالب بحماية دولية. 

 الدلالات الاجتماعية للتحولات السياسية 

  1. الحفاظ على التماسك رغم الأزمات

تشير الدراسات إلى أن المجتمع الدرزي يتمتع بدرجة عالية من التماسك الاجتماعي نتيجة: 

  • البنية العشائرية. 

  • العقائد الدينية مثل الإيمان بالتناسخ. 

  • دور رجال الدين وشيوخ العقل في ضبط الخلافات.  

هذا التماسك ساعد الدروز على الصمود أمام التغيرات السياسية العاصفة، لكنه في الوقت ذاته جعل عملية تحديث المجتمع أكثر بطئًا من غيره. 

  1. الهوية العابرة للحدود

ورغم تباين المسارات السياسية للدروز في سوريا ولبنان وإسرائيل، فإن الروابط العائلية والدينية ما تزال عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على هوية مشتركة تُعيد إنتاج ذاتها عبر الأجيال. 

  1. تأثير التحولات السياسية على الاقتصاد والمكانة

التحولات السياسية الأخيرة، خاصة في سوريا، أدت إلى: 

  • تراجع اقتصادي في مناطق الدروز. 

  • تنامي النزعات المحلية خصوصاً مع العشائر. 

  • بروز خطاب يطالب بحكم ذاتي أو فيدرالية بفعل فقدان الثقة بالسلطة المركزية. 

 يُظهر المسار التاريخي للدروز أن الطائفة استطاعت عبر الزمن التكيف مع مختلف التحولات السياسية دون التفريط بهويتها وتماسكها الداخلي. ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الخرائط والتحالفات، لا يزال المجتمع الدرزي يواجه تحديات معقدة تتعلق بالحفاظ على وجوده واستقلاليته، وفي الوقت نفسه الاندماج في الدول التي ينتمي إليها. وبين مطالب الإصلاح، والهواجس الأمنية، والدور الإقليمي المتزايد، يبقى مستقبل الدروز مرهونًا بقدرتهم على إدارة هذه المعادلة الدقيقة في العقود القادمة. 

99
scroll to top