شهدت العاصمة الأميركية واشنطن خلال العامين الأخيرين تنامياً ملحوظاً في النشاط السياسي للجالية الدرزية، في ظل تصاعد العنف ضد الدروز في سوريا، وتزايد الحاجة إلى صوت منظّم يسعى للتأثير على صُنّاع القرار الأميركي. ورغم عدم الإعلان رسمياً عن تأسيس “لوبي” بالمعنى التقليدي المرتبط بجماعات الضغط المسجّلة، إلا أنّ معطيات عدة تشير إلى تشكّل كتلة ضغط درزية ناشطة عبر منظمات الجالية، والتحركات الشعبية، والتواصل السياسي المباشر مع المؤسسات الأميركية.
خلفية: مأساة السويداء وتحوّلها إلى قضية ضغط في واشنطن
أدّت أحداث العنف الواسعة ضد الدروز في السويداء إلى دفع الجالية الدرزية الأميركية نحو نشاط سياسي غير مسبوق. ففي 24 يوليو 2025 تجمّع نحو 100 من أبناء الجالية أمام البيت الأبيض مطالبين الإدارة الأميركية بوقف ما وصفوه بـ“التطهير العرقي” ضد الدروز في سوريا، ورفعوا شعارات تدعو إلى حماية المجتمع الدرزي وتدخل دولي لإنهاء الانتهاكات. هذا الحشد مثّل نقطة تحول، إذ انتقل الصوت الدرزي من النشاط الاجتماعي المحدود إلى تحرك احتجاجي ذي طابع سياسي واضح في قلب واشنطن.
صعود المؤسسات الدرزية ودورها في تكوين “لوبي” غير رسمي
تشكل الجمعية الدرزية الأميركية – فرع واشنطن العاصمة أهم مؤسسة ممثلة للدروز في الولايات المتحدة، إذ تقوم بجهود منظمة لتعزيز الهوية الدرزية، والتواصل المجتمعي، وبناء شبكة علاقات مع المؤسسات الأميركية، ما يجعلها عملياً النواة الأكثر تنظيماً لأي لوبي درزي ناشئ.
ورغم تركيز الجمعية التقليدي على العمل الثقافي والاجتماعي، إلا أن التطورات الدموية في سوريا دفعتها بصورة غير مباشرة إلى لعب أدوار ذات طابع سياسي، من بينها:
تنشيط التواصل بين الجالية والدوائر السياسية الأميركية.
دعم المبادرات الإنسانية والسياسية المتعلقة بدروز سوريا.
تعزيز الوعي الإعلامي حول قضايا المجتمع الدرزي عالمياً.
فبذلك يمكن القول إن هذه الجمعية شكّلت الإطار المؤسسي الأبرز الذي يلتف حوله الناشطون لتكوين قوة ضغط متزايدة.
تحرّكات موازية على مستوى القيادات الدرزية الإقليمية داخل واشنطن
إلى جانب الجهود الشعبية والمؤسسية، برزت اتصالات سياسية على مستوى رفيع داخل واشنطن. ففي ديسمبر 2025 دعا سماحة الشيخ موفّق طريف، الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، الولايات المتحدة إلى ضمان أمن الدروز في سوريا، وذلك خلال زيارة رسمية لهيئات دولية، حيث شدد على “واجب” واشنطن في حماية الأقليات ووقف المجازر في السويداء.
هذا الطرح الذي حمل بعداً سياسياً وإنسانياً أعاد تعزيز أهمية الدور الأميركي، وشكّل رافعة إضافية للضغط الذي تمارسه الجالية الدرزية في الولايات المتحدة لتحقيق حماية دولية للمجتمع الدرزي.
عوامل تشكّل اللوبي الدرزي الجديد
رغم غياب إعلان رسمي عن “لوبي” مسجّل، إلا أن ملامح قوة الضغط الدرزية في واشنطن يمكن استنتاجها من تفاعل ثلاثة عناصر رئيسية:
1. الجالية كقوة مجتمعية ضاغطة
المظاهرات أمام البيت الأبيض، وتنامي التفاعل الشعبي والسياسي، رسّخت حضور الجالية داخل المشهد السياسي الأميركي.
2. المؤسسات الدرزية المنظمة
الجمعية الدرزية الأميركية في العاصمة تُعد حالياً العمود الفقري للتمثيل المؤسسي، وهي تشكل منصة يمكن توسيعها لتصبح لوبي كامل الوظائف السياسية والإعلامية مستقبلاً.
3. دعم القيادات الدرزية العالمية
تصريحات ولقاءات شيخ موفّق طريف أعطت زخماً دولياً لقضية الدروز، ودفعت باتجاه مزيد من الانخراط الأميركي في الملف.
يمكن القول إن اللوبي الدرزي في واشنطن يتشكل اليوم بصورة تدريجية وغير رسمية، مدفوعاً بثلاث قوى: الجالية الدرزية، المؤسسات المدنية، والقيادات الروحية والسياسية الإقليمية. ومع استمرار العنف في السويداء وتصاعد الاهتمام الدولي، تتزايد فرص تحوّل هذا النشاط المتفرّق إلى لوبي حقيقي قادر على التأثير في سياسة واشنطن تجاه الملف السوري، وحماية حقوق الأقليات الدينية في المنطقة.